محمد أبو زهرة
58
المعجزة الكبرى القرآن
ولم يبين البيروني وجه المنع ، أهو منع تكليفي يسبقه الإيمان بهذه الكتب وتكون دلائل وجوب الإيمان من نواح أخرى ، أم هو منع تكويني بمعنى أن براهما صرفهم بمقتضى التكوين عن أن يأتوا بمثلها ، والأخير هو الظاهر لأنه هو الذي يتفق مع قول جمهور علمائهم ، وما اشتهروا من أن القول بالصرفة نبع في واديهم . 34 - وعندما دخلت الأفكار الهندية في عهد أبى جعفر « 1 » المنصور ، ومن والاه من حكام بنى العباس ، تلقف الذين يحبون كل وافد من الأفكار ويركنون إلى الاستغراب في أقوالهم فدفعتهم الفلسفة إلى أن يعتنقوا ذلك القول ، ويطبقوه على القرآن ، وإن كان لا ينطبق ، فقال قائلهم : إن العرب إذ عجزوا عن أن يأتوا بمثل القرآن ما كان عجزهم لأمر ذاتي من ألفاظه ومعانيه ونسجه ونظمه ، بل كان لأن اللّه تعالى صرفهم عن أن يأتوا بمثله . وإن رواج تلك الفكرة يؤدى إلى أمرين : أولهما - أن القرآن الكريم ليس في درجة من البلاغة والفصاحة تمنع محاكاته ، وتعجز القدرة البشرية عن أن تأتى بمثله ، فالعجز ليس من صفات القرآن الذاتية . وثانيهما - الحكم بأنه ككلام الناس لا يزيد عليه شئ في بلاغته ، أو في معانيه . وإن مذهب الصرفة قد وجد من يقوله من علماء الفلسفة الكلامية وغيرها ، بل وجد من يقوله من بين الذين أنكروا الرأي في الفقه ، وهو مع جموده في الفقه ، من أبلغ الكتاب والشعراء . ولنترك الكلمة للباقلاني المتوفى سنة 403 ه في كتابه إعجاز القرآن ، قال رضى اللّه تبارك وتعالى عنه : « فإن قيل فلم زعمتم أن البلغاء عاجزون عن الإتيان بمثله مع قدرتهم على صنوف البلاغات وتصرفهم في أجناس الفصاحات ، وهلا قلتم أن من قدر على جميع هذه الوجوه بوجه من هذه الطرق الغريبة كان على مثل نظم القرآن قادرا ، وإنما يصرفه عنه ضرب من الصرف ، أو يمنعه من الإتيان بمثله ضرب من المنع ، أو تقصر دواعيه إليه دونه مع قدرته عليه ليتكامل ما أراده اللّه تعالى من الدلالة ، ويحصل ما قصده من إيجاب الحجة ، لأن من قدر على نظم كلمتين بديعتين لم يعجز عن نظم مثلهما ، وإذا قدر على ذلك قدر على ضم الثانية إلى الأولى ، وكذلك الثالثة حتى يتكامل قدر الآية والسورة » « 2 » .
--> ( 1 ) ثاني خلفاء بنى العباس توفى سنة 156 ه . ( 2 ) إعجاز القرآن للباقلاني ص 41 ( طبع دار المعارف ) .